مقطع من عمل أدبي لكاتب شاب صديق:
"خالد محموم بالمنصورة ، بتراث المنصورة ، شوارعها ، مبانيها القديمة ، حدائقها انها تعويذة تلتصق بروحه
خالد كشف غمام الأسمنت والألوان الباهتة من علي عيني وجعلني أرى منصورة غير التي كنت أعيش بها وأتجول في شوارعها الرئيسية وفقط.
لقد اختطفني الي الحواري وتاريخها .. أُشير له علي مبنى فيذكر لي تاريخه ليس كإنسان ألي أو مدرس دراسات إجتماعيه متفاخر.
بل كفنان حالم .. بعد أي سؤال عن مبني أو شارع يقف وينظر الي عيني في إعجاب ومن ثم يحرك رأسه يمينا يساراً في حاله من الإنبهار ويبدء في لمس الجدران ويقرب رأسه للطوب ويتنفس رائحة العطن والزمن معاً من جدران أي مبني ويبدء في السرد والحكايه ويتحرك وهو يحكي وأنا صامتة تماماً.
خريطة المنصورة كانت متسربه مطبوعة كسائل في دمه ، وحين تسأله عن شيء ما يتدفق مجسم المبني أو الشارع فوراً الي قلبه فيحكي بهذا الشغف والحب والحلم.
تذكرت المرة الأولي التي أتي بي الي قصر ثقافة المنصورة ، رغم أننا في الربيع إلا أنني شعرت بقشعريرة هزت جسدي حين تذكرت هذا اليوم .. لامست بطني كي أتحسس جنيني الذي لا يستقر بالي علي اسمه الي الأن
كانت تتحرك تضرب بفُتات يدها أو قدمها في جدار بطني .. ضحكت ضحكة مقطوعة مع ضربتها الأخيرة
وعُدت بالزمن أذكر كي كان خالد يُمسك بيدي نتحرك من المشاية السفليه كي نكون أمام قصر الثقافة في شارع الجمهورية العلوي
سألت خالد في رفض غير معلن صراحة
مسرحية أيه دي يعني اللي هنروحلها قصر الثقافة ؟
وقف خالد أمام الجزء الأقرب من حديقة صباح الخير يا مصر للهابلاندي
ونظر الي بشغف وقال :
يا بنتي دي مسرحية كاست أداب .. يعني سعيد المنسي وأحمد صبري غباشي وعمرو إمام
رددت عليه بأسلوب إستفاهمي إستنكاري
أيوه يعني مين دول ؟ أنا روحت مع بابا قبل كدا وانا صغيرة مسرحية كده أوكيه
رفع خالد حاجبيه مستنكراً وبابتسامه
قالي
كده أح**
ومسك بيدي ثانية ومن ثم أسرع في خطواته كي ندخل لقصر الثقافة وهو يتكمل حديثه
دي مسرحية " حكاية فاسكو " يا أمل
رددت في تململ
فاسكو أمممم
أشاح برأسه يمينا ويساراً دون أن ينظر اليّ في إشارة عن فقدان الأمل
كان خالد يَدين لكلية الأداب بالولاء الشديد والحب الجَم شأنه شان كل ما يتعلق بمدينته الأفلاطونية في رأسه وفقط
أتخذنا مقعدين في الوسط بمسرح قصر الثقافة الكبير للغاية والذي كنت أدخله للمره الاولي وشهدت علي حضور الكثيرين ولم أكن أتوقع هذا الحضور القوى
بدأت الموسيقي التصويرية للمسرحية والإضائات
خَطفني نَمط الإضائه الأحمر والأزرق والأخضر وكانت الموسيقي العظيمة كأنها تخرج من الإضاءه
بدأت حكاية فاسكو ..
ولم ألتفت لخالد لحظة واحده خلال العرض ، خالد هو من كان يلتفت الي انتباهي وإتساع عيني وقسمات وجهي وهي تتفاعل مع أحداث المشاهد وأداء الممثلين
رغم أنني أدعي أنني كاتبة سيناريو إلا أنني كنت كاتبة متكبره أجهل مستصغر شرر الفن الذي من الممكن أن يخلق إبداعاً غير إعتيادي
أسرني شخصية كاكو التي أداها أحمد صبري غباشي وكذلك كوميديا عمرو إمام السوداء التي أداها بحرفيه ورفيقهم البطل علي ما أظن كان اسمه معتز
بعد انتهاء العرض و ضج المسرح بالتصفيق والصفير
كنت أصفق بشراهة وإيمان وأنا أقف .. وخالد ينظر الي نظره المنتصر
كأنه يقول لي هذا درس اليوم يا ست هانم
خرجنا مع الكثيرين بعد إنتهاء المسرحية واتجهنا الي الهابي لاند انا وخالد كي يُوصلني الي منزلي في توريل
تحدثت معه طويلاً عن الأدوار في المسرحية وكيف أنها الهمتني بسيناريو جديد لبطل وبطلة بين المسرح وكَدر الحياة في الخارج
أوصاني خالد بأن أشتري كتاب أحمد صبري غباشي " نادماً خرج القط " الذي كتب مقدمته العراب أحمد خالد توفيق
سجلت توصيته في نوت الموبايل ..
وأخذ يبدى انبهاره بأداء أحمد صبري ويرسم حلما أنه في سنوات سيكون بعيدا عن أجواء المنصورة ويحارب علي شاشات السينما في القاهرة .. كان ينتصر لنجاح غباشي الذي لم يراه واقعا لكنه كان يحلم بابن المنصورة الذي سيزهر فنا .
كان ينتصر لغباشي لأجل حبه للمنصورة و أبنائها المميزين .
وقبل أن نصل الي مقر الحزب الوطني علي النيل
وقفت في المنطقة المجاورة له من الرصيف والتي كانت تتسع شيئاً ما ونظرت الي النيل
ومن ثم أخذت أكرر كلمات علقت في ذهني من المسرحيه جاءت علي مارجريت بطلة المسرحية وانا أتحرك بشكل مسرحي
" من يحلم يمتزج بالهواء "
كان خالد يقف يشاهدني وفي عينيه صمت وحب يسعني أنا والنيل والمنصورة وحكاية فاسكو في هذه الليلة جميعاً بكل أمان .
كنت أتنفس هواء المنصورة لأول مرة بنقاء .. حكاية فاسكو هذه الليلة فلترت كثيراً من شوائب رُوحي .. حتي أنني نظرت للنيل ولأضواء طلخا علي الضفة المقابلة بحنان لم أعهده علي نفسي من قبل ..
كنت أحلم وأمتزج بهواء المنصورة بكل ما تحمله الكلمة من معني ، أحلم أن أمتزج بخالد وبهواءه هو للأبد بلا إنفصال كان خالد يأخذ بيدي هذه الأونه الي عالمه رويداً رويداً .. وكان عالمه محاصر في المنصورة وأنا معه .
No comments:
Post a Comment